مقالات > د.أحمد مصطفى يكتب: الإعلام والسياسة

18 يوليو 2013 8:23 م
-

د.أحمد مصطفى يكتب:

الإعلام والسياسة 

في ظل التطورات السريعة في المنطقة والتغيرات التي تشهدها بعض دولها، وانتفاضات الشعوب على حكامها والصراع في سوريا وما عززه من فرز طائفي وعرقي في المطقة، يزداد الاهتمام بدور الإعلام خاصة الفضائي الإخباري منه. وللأسف الشديد كشفت تلك التطورات وتغطياتها الإعلامية عن مدى هشاشة الأسس المهنية للكثير من وسائل الإعلام العربية وحتى تدهور المستوى لعدد من المؤسسات الإعلامية العالمية التي تغطي منطقتنا العربية، وكان يضرب بها المثل في الحيدة والموضوعية والاستقلالية المهنية.

ربما يرى البعض أن تطورات الأحداث في مصر منذ الـ30 من يونيو وإزاحة الإخوان المسلمين عن الحكم وسط احتجاج شعبي عارم عليهم كانت "قشة قصمت ظهر بعير" حيادية الإعلام ومهنيته، إلا أن الأزمة سابقة على ذلك وبلغت في مراحل أخرى خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة مستويات غير مسبوقة. بل ربما يمكن القول إن التدهور في مهنية وسائل الإعلام يعود إلى نحو عقد من الزمان، وكانت حرب غزو واحتلال العراق قمة فاصلة أخرى في اختبار حيادية ومهنية وسائل الإعلام العربية والأجنبية المتابعة للشأن العربي.

لكن بما أن التغيير الأخير في مصر فجر الأزمة مجددا، فلا غرو من الانطلاق منه وما كشفه من فرز إعلامي جديد. لا يمكن هنا الحديث عن الإعلام المحلي المصري في هذا السياق، فعلى مدى أكثر من عامين ـ وقبل ذلك ـ ومع انفجار الفضائيات المحلية المصرية وصدور صحف كثيرة تعبر عن رجال أعمال وقوى ذات مصالح، خرج الإعلام المصري تقريبا من ساحة القياس لمعايير الحياد والمهنية. فبرامج الحوارات، وباستثناءات قليلة، تحولت في أغلب الأحيان إلى مزايدات في الصراخ والسباب والسوقة والسطحية الشديدة أحيانا أخرى، دون أن يخرج المشاهد بأي معلومة مفيدة أو رأي رصين. حتى الصحف، ومنافذ الأخبار الخاصة الأخرى من مواقع وفقرات إخبارية في الفضائيات الخاصة، صارت أقرب لصحافة الإثارة والفبركة المغرضة عبر نشر أنصاف الحقائق والتعويل على الشائعات والخلط بين الرأي والخبر.

ومنذ وصل الإخوان إلى الحكم في مصر والانقسام واضح تماما في وسائل الإعلام المصرية بين ما هو مؤيد ومعارض لهم. لذا، فأنصار الإخوان يلجأون إلى منافذ مؤيدة ومعارضيهم إلى القنوات والصحف التي تمثل وجهة نظر المعارضين من بقايا نظام مبارك في الأغلب. أما من يريد متابعة الشأن المصري بشكل بعيد عن الصحافة الصفراء، فيلجأ إلى الفضائيات الإقليمية أو الأجنبية الناطقة بالعربية. وطال الفرز الواضح تلك المنافذ أيضا، فالجزيرة مع الإخوان بشدة والعربية ضد الإخوان بشدة و"بي بي سي" العربية أقرب لكونها مع الإخوان (في إطار سياستها بأن تكون مع الحكومة أكثر من المعارضة سيرا على تراجعها في بلدها ذاتها منذ منتصف مدة حكم حزب العمال في بريطانيا). وكانت تلك فرصة لفضائية جديدة صاعدة، هي سكاي نيوز عربية، لتملأ فراغا مهما بتقديمها أخبار مصر بشكل أقرب للمهنية والموضوعية.

ومع وصول أزمة الإخوان في الحكم إلى ذروتها، بدأ غياب المهنية لصالح الدعائية السياسية، وتراجع الحيدة النسبية لصالح الانحيازات التي لا تليق بالإعلام. وهنا ورغم بقاء قناة الجزيرة في الصدارة كقناة العرب الإخبارية الأولى إلا أنها بدأت تفقد الكثير من رصيدها، خاصة في الشارع المصري. أما العربية، فبسبب طريقتها الإثارية وكون المشاهدين لا يثقون كثيرا في أخبارها العاجلة التي غالبا ما تكذبها بعد قليل، فلم تكن هدف من تحولوا عن الجزيرة. ولأن الـ"بي بي سي" ظلت ـ مثل "سي إن إن" وغيرها من القنوات الغربية ـ تتعامل مع الوضع استنادا إلى أن الإخوان في الحكم، علا نجم سكاي نيوز عربية بين المشاهدين المصريين الباحثين عن أخبار بلدهم بشكل محايد نوعا ما ومهني أيضا.

لا يمكن القول إن سكاي، التي تبث من أبو ظبي، ليس وراءها موقف سياسي في ظل الموقف العام في منطقة الخليج من جماعة الإخوان المسلمين وطموحاتها الإقليمية منذ كسبت كرسي الحكم في مصر. لكن المهنية هنا لعبت الدور الأكبر في جعل تغطيتها أكثر حيدة وموضوعية من نظيراتها الإقليمية والعالمية. وهذا هو لب الفرز الذي تحدثنا عنه في البداية لمنافذ الإعلام العربية والتي تستهدف العالم العربي منذ ما قبل حرب الخليج. ذلك أن الإعلام، وإن كان يغطي السياسة، فليس من المهنية ولا الموضوعية أن ينخرط فيها. ومنذ بدأت قناة الجزيرة تبدو منخرطة في أحداث تغطيها، وهذا المنحى يتصاعد في الإعلام العربي حتى وصل إلى حد الفجاجة. فمنذ مطلع القرن، ربط الإعلام الغربي بين الجزيرة وتنظيم القاعدة والإرهاب لأن "المجاهدين الأفغان العرب" اختاروا القناة ـ أو اختارتهم القناة الله أعلم ـ لبث أشرطتهم ورسائلهم الصوتية. وتوالت بعد ذلك الأحداث التي دفعت بالجزيرة ومنافسيها، خارج المنطقة وداخلها، للتورط أكثر فيما تغطيه. ثم كانت موجة الاحتجاجات الشعبية على أنظمة حكم عربية قبل نحو عامين وتجاوزت الجزيرة كثيرا حدود المهنية الإعلامية لتقوم بدور المحرض والفاعل المشارك أكثر منها الناقل المحايد نسبيا للأحداث.

ولعل تصاعد هذا التورط في السياسة والبعد عن مهنية الإعلام، للجزيرة والعربية وغيرها من المنافذ التي تستهدف المنطقة، هو ما وفر الفرصة للقناة الجديدة الفتية سكاي نيوز عربية أن تسد فراغا حقيقيا في مساحة المهنية الإعلامية. ولم يكن هناك أفضل، ولا أكبر وأهم، من السوق المصري لتبزغ فيه.



التعليقات