مصر الجديدة > الداهية والهلفوت..متستعجلوش...كلمة سر السيسى فى عملية إسقاط مرسى (الحلقة الخامسة)

كتب Mohamed Hamdy
19 نوفمبر 2013 8:24 م
-

الداهية والهلفوت..متستعجلوش...كلمة سر السيسى فى عملية إسقاط مرسى (الحلقة الخامسة)

حلقات يكتبها: محمد الباز                                                     

كان الفريق السيسى يعرف جيدا أن حديث وزير الدفاع مع الرئيس فى السياسة أمر يضر الاثنين، لكنه تخلى عن هذه القاعدة فى أوقات كثيرة مع محمد مرسى، الذى رأى فيه رجلا طيبا يحتاج إلى المساعدة والدعم.

تردد السيسى كثيرا على قصر الاتحادية، تبادل مع مرسى الأفكار والأخبار والاقتراحات، قدم له النصائح، كان صريحا معه عندما قال له، إن المشروع الذى جئتم به فشل تماما- كان ذلك فى فبراير 2012- لكنه لم يتركه وحده، بل وضع أمام عينيه أهمية أن يكون رئيسا للجميع، وليس رئيسا لجماعته فقط.

فى نهاية مارس 2012 توقف السيسى عن النصح، قرر أن يقوم بدوره كوزير دفاع، وكقائد جيش سيضع نفسه تحت أمر الشعب، ويحول دون أن تنهار الدولة، أو يتم الاعتداء على مؤسساتها، وهو ما كان يفعله أنصار مرسى بمنهجية وقصدية واضحة بداية من المحكمة الدستورية وليست نهاية بالكاتدرائية التى تم الاعتداء عليها لأول مرة فى التاريخ فى عهد مرسى، وهو ما دفع الأقباط إلى التوجه لوزارة الدفاع ومطالبة السيسى بأن يحميهم.

هذه المرحلة التى تبدأ مع إبريل 2012، يمكن أن نعتبرها التجسيد الكامل لدهاء وزير الدفاع فى التعامل مع الإخوان المسلمين الذين حاولوا بكل الطرق الإطاحة به وعزله من منصبه.

لقد رأى السيسى الإخوان المسلمين وهم يحفرون قبورهم بأيديهم.. فتركهم.. شاهدهم وهم يدخلون فى موجة انتحار جماعى.. فلم يفعل أكثر من الانتظار على ضفة النهر حتى يرى جثثهم وهى تمر من أمامه.

وصل الفريق السيسى بسبب الشد والجذب بينه وبين الإخوان ورئيسهم إلى قناعة تامة بأن هؤلاء لا صلاح ولا إصلاح لهم، أدرك أنهم يريدون أن يشنقوا أنفسهم، فلم يفعل أكثر من تقديم الحبل لهم، ثم تركهم ومضى.

من كلام الفريق السيسى نفسه، أنه منح محمد مرسى أكثر من نصيحة لتعديل المسار، اقترح عليه مرة أن يجرى تعديلا وزاريا محدودا، وأن يحل مشكلة النائب العام بشكل يتوافق حوله القضاة، لكن مرسى لم يستجب، أبقى على الحكومة وتمسك بطلعت عبدالله الذى جاء به نائبا عاما بعد الإعلان الدستورى المعيب.

وعندما زاد الغضب على حكومة هشام قنديل أعاد السيسى النصيحة، لكن هذه المرة بتغيير موسع بين الوزراء وحل مشكلة النائب العام، لكن مرسى أصر على موقفه ولم يسمع للنصيحة، ورغم أن السيسى كان يعرف أنه أمام رئيس لا يسمع، وحتى لو سمع فإن القرار ليس فى يديه، فقد نصحه بأن يغير الحكومة كلها، إلا أن الرئيس الإخوانى تعامل مع الأمر بدون مبالاة.

حتى الآن يمكن أن يكون تمسك محمد مرسى بهشام قنديل أمرا محيرا، فلم تكن لدى الرجل كفاءة من أى نوع، ولم يكن صعبا أن يدرك الفريق السيسى أن سر تمسك مرسى بهشام قنديل هو رغبته فى أن تتحمل حكومته كل أخطاء وخطايا المرحلة التى تسبق الانتخابات البرلمانية، التى كانت ستمكن الجماعة، بعد أن تحقق الأغلبية فيها، من تشكيل الحكومة ومن تعيين القيادى الإخوانى الذى تريده دون أن يعترض أحد، ودون أن يقطع أحد الطريق على الجماعة بأنها تسعى إلى التخوين، فالأغلبية هى التى اختارت والأغلبية هى التى ستحاسب.

كان مجلس رئيس الوزراء محجوزا فى الغالب لخيرت الشاطر، الذى أراد أن يستلم البلد نظيفا تماما، وبعده يرحل هشام قنديل غير مأسوف عليه.. ولم يكن هذا خافيا على الأجهزة الأمنية، فقد كان مرسى يجمد كل شىء فى انتظار البرلمان.. الذى كان يعتقد أنه سيكون المخلص له من المعارضة التى خطط الإخوان لسحقها بالضربة القاضية.

لم تكن النصائح الشفوية وحدها هى التى قدمها الفريق السيسى لمحمد مرسى من أجل تعديل المسار السياسى بما يضمن عدم انفجار الأوضاع.

فى كلمته التى دعا الشعب خلالها أن يمنحه تفويضا لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل قال السيسى نصا: قدمنا للرئيس السابق 3 مرات تقديرات استراتيجية للموقف وتقديراته وتوصياتنا من أجل أن يتجاوز الأزمات، وهذا الكلام موثق، وكنا نعمل هذا من أجل بلدنا.

الواقع - ومن مصادر مقربة من الفريق السيسى - فإن تقديرات الموقف لم تكن ثلاثة بل أربعة، وأعدتها أجهزة الأمن السيادية فى الدولة، وعلى رأسها المخابرات الحربية وهى بالفعل موثقة ومحددة بالتواريخ، ويمكن لنا أن نستعرضها على النحو التالى:

التقرير الأول: تسلمه محمد مرسى بالتحديد فى 11 ديسمبر 2011، أى بعد حوالى خمسة أيام فقط من مجزرة الاتحادية التى ارتكبها أنصار مرسى عند محاولتهم فض اعتصام الثوار أمام قصر الاتحادية، وهو الاعتصام الذى بدأ احتجاجا على الإعلان الدستورى المعيب، كانت الخلاصة التى حملها التقرير تشير إلى ضرورة دراسة الآثار التى ترتبت على الإعلان الدستورى ومعالجتها، لأن الإعلان نفسه قسم البلاد إلى نصفين، وهو ما ينذر بحالة اقتتال شعبى، وفى هذه الحالة سيكون من الصعب أن يلتزم الجيش الصمت.

رد فعل مرسى على تقدير الموقف الأول كان إيجابيا تماما، بل ووافق على مقترح بإجراء حوار وطنى مع القوى السياسية ودعا إليه بالفعل، لكن القوى السياسية امتنعت ولم تتجاوب معه، لأن نهر الدماء بين الجماعة والشعب كان قد بدأ بالفعل، ولأن الحوار فى عرف الإخوان ليس إلا نوعا من الخداع.. يجلس معك يغريك ويمنيك ثم لا تحصل منه فى النهاية على أى شىء.. ثم إن حماسة مرسى تبخرت تماما عندما حالت الجماعة بينه وبين حضور الحوار مع القوى السياسية الذى دعا له السيسى وتم الاعتذار عنه فى الساعات الأخيرة.

الجيش فعليا لم تكن لديه رغبة فى إجراء حوار مع القوى السياسية يشترك فيه الرئيس، ولكنه كان يريد الظهور بدور الضامن للحوار، حتى تطمئن القوى السياسية وتشارك، بعد أن تقطعت كل خيوط الثقة بين الشعب والجماعة.

التقرير الثانى: وصل مرسى بعد أن صمت السيسى تماما عن النصح، ففى أول إبريل 2013، تسلم مرسى تقريرا مفصلا يحذره بشدة من التقارب مع إيران.. لم يكن هذا التقرير إلا نتيجة لاجتماع عقد فى مبنى المخابرات الحربية، وتوصل المشتركون فيه إلى أن حالة التقارب المصرى الإيرانى سيكون لها أثر بالغ الضرر على الأمن القومى المصرى، وكانت مبررات هذا التخوف واضحة، فالبناء النفسى الإيمانى للشعب المصرى لا يمكن أن يتقبل الشيعة بسهولة، ثم إن مصر تتعامل مع أمن الخليج العربى على أنه جزء من أمنها القومى، والتقارب مع إيران حتما سيأتى على حساب العلاقات مع دول الخليج.

فى هذه الفترة كان الجيش يحاول أن يلعب دورا يعيد من خلاله التوازن للوضع المختل الذى يحدثه النظام، وهو ما جرى على سبيل المثال فى علاقة النظام بدول الخليج، فقد كان السيسى يراقب التقارب الإخوانى القطرى بحذر شديد، وحاول بالفعل أن يحدث نوعا من التوازن فى ميزان القوى، وكانت زيارة الفريق صدقى صبحى رئيس أركان حرب الجيش المصرى- فى وقت سابق- إلى الإمارات فى فبراير 2013، واضحة الدلالة، لم تكن الزيارة سياسية، لكن رئيس الأركان كان موجودا فى أبو ظبى للمشاركة فى معرض ومؤتمر الدفاع الدولى «آيدكس 2013»، ورغم أن العلافات بين القاهرة وأبو ظبى كانت متوترة جدا، فإن الفريق صبحى أشاد بالعلاقات التاريخية بين مصر والإمارات.. وانتهز الفرصة ليبعث برسالة من هناك شدد خلالها على أن الجيش المصرى سيظل درع مصر القوى الذى يصون وحدتها، ويحفظ أمنها القومى ويدافع عن وجودها اللائق بها بين أمتها العربية وبين محيطيها الإقليمى والدولى.

لم يكن فيما فعله الفريق صدقى صبحى محاولة لتحدى الإخوان.. ولا محاولة لإحراج الرئيس الذى يتحرك على عصب مشدود مع الإمارات، ولكنه كان دورا وطنيا حفظ التوازن فى العلاقات الخارجية لمصر، فى ظل نظام سياسى عقيم لم يكن يعرف للعلاقات الدولية وخاصة العربية قيمة ولا معنى.

لم ينصت محمد مرسى لتوصيات رجال المخابرات الحربية، وزاد فى توثيق علاقته بإيران، وبدأ السياح الإيرانيون يتوافدون على مصر فى حالة من الاستفزاز لدوائر عديدة سياسية ودينية.

التقرير الثالث: لم تمر سوى أيام قليلة حتى تسلم محمد مرسى تقدير الموقف الثالث، حدث هذا تحديدا فى إبريل 2013 أيضا، كانت اللهجة هذه المرة واضحة وحادة، فقد أبرز التقرير أن البلد يتفسخ تماما، وأن هناك أمورا كثيرة تتم على يد النظام والحكومة وجماعة الإخوان ليست فى صالح الاستقرار بأى حال من الأحوال، ولا بد أن يتدخل الرئيس بما لديه من صلاحيات لينهى حالة التردى هذه.

المفاجأة أن هذا التقرير وضع مهلة لمحمد مرسى هى 3 أشهر بالضبط، مؤكدا أنه فى حالة عدم تدخل الرئيس لإصلاح الأمور، فإن الناس يمكن أن يخرجوا ليطالبوا بإسقاطه «كان التقرير على صواب تماما فى تحديد المهلة، فبعد 3 أشهر انهار نظام محمد مرسى تماما».

أغلب الظن أن تقدير الموقف هذا لم يكن مجرد تقرير يعرض على الرئيس، ويوصيه بأن يأخذ قرارا معينا، ولكنه كان بمثابة الإنذار والتحذير، فالمخابرات الحربية ومعها أجهزة معلومات كثيرة كانت تعرف أنه مع نهاية 30 يونيو لن يكون لمحمد مرسى وجود، حيث كان من السهل التنبؤ بخروج الناس بالملايين ضده ليطالبوه بالرحيل.

عند إعداد هذا التقرير لم تكن حركة تمرد ظهرت إلى الوجود فبذرتها وضعت فى الأرض المصرية، ولم تكن بدايتها تبشر بما وصلت إليه وحققته.. ولم تكن أجهزة المعلومات تضع فى حسابها أن حركة شعبية، يمكن أن تتكون بهذه العفوية.. ويمكن أن تحمل على عاتقها مهمة التغيير، لكن بعد أن ظهرت أصبح الطريق ممهدا أمام توقع الأجهزة المعلوماتية بأن نهاية محمد مرسى ستكون فى 30 يونيو، خاصة أن حركة تمرد حددت هذا اليوم للخروج فى مظاهرة حاشدة تنديدا بمرسى فى يوم تنصيبه، دون أن يدرك شباب الحركة أن هذا اليوم لن يشهد فقط مظاهرة حاشدة، بل سيشهد سيدة مليونيات الثورة المصرية التى تفجرت فى 25 يناير، وظلت مستمرة حتى اقتلعت جذرو الإخوان من الأرض المصرية.

لقد ظهرت فكرة تمرد خلال جلسة عابرة لمجموعة من الأصدقاء الشباب على مقهى صاخب فى وسط القاهرة، قرر الشباب الذين لم يغادروا الشارع منذ 25 يناير، ومنحوا أصواتهم لمحمد مرسى نكاية فى أحمد شفيق، أن يفعلوا شيئا، جربوا مجموعة من الكلمات، حتى استقروا عند كلمة تمرد معبرين من خلالها عما يشعرون به تجاه نظام لم يلب الحد الأدنى من احتياجاتهم ومطالبهم، وضعوا خطتهم فى فكرة محددة وبراقة، وقرروا أن يجمعوا توقيعات الرافضين لمرسى عليها، واتفقوا يومها على أن يحشدوا لمظاهرة كبيرة فى 30 يونيو، معبرين عن رفضهم لمحمد مرسى فى نفس اليوم الذى تولى فيه السلطة.

أعتقد أنه فى اللحظة التى ولدت فيها تمرد لم يكن فى ذهن من صنعوها أن يزيحوا محمد مرسى، لكن كان هناك من التقط الفكرة وغذاها وطورها، ورفع سقفها إلى حد المطالبة بعزل الرئيس، وهؤلاء الذين التقطوا الفكرة كانوا خليطا من أجهزة أمنية وقوى سياسية وأحزاب ورجال أعمال وصحفيين.. ولم يجد شباب الحركة حرجا فى التجاوب مع كل هؤلاء لتحقيق هدف الجميع، وهو ما يجعلنى أقول إن الفكرة التى بدأت بحماس شباب انتهت بطموح شعب كامل للخلاص من الإخوان ومن رئيسهم محمد مرسى.

التقرير الرابع: وصل إلى محمد مرسى فى 22 يونيو 2013، أى قبل 24 ساعة فقط من المهلة التى منحها الجيش لمرسى، وهى مهلة الأسبوع للتوافق، كان تقدير الموقف هذه المرة محددا، ويبدو أن الفريق السيسى هو الذى صاغه بنفسه، فقد كان فيه ما يشبه خريطة الطريق للخروج من المأزق، إذ حمل اقتراحا على محمد مرسى بأن يطرح نفسه للاستقتاء الشعبى.. أو على الأقل وهذا أضعف الإيمان يستجيب لطلبات المعارضة ومنها تغيير حكومة هشام قنديل بالكامل، والتصرف فى موضوع النائب العام على النحو القانونى والدستورى، وتعديل بعض مواد الدستور محل الخلاف بين النظام والقوى السياسية المعارضة.. وهى المواد التى كان مرسى قد وعد بتعديلها بالفعل.

ما يجعلنى أؤكد أن الفريق السيسى هو من كتب التقرير الأخير، أنه قال فى إحدى كلماته المذاعة، إنه طلب من مرسى أن يطرح نفسه للاستفتاء الشعبى، فإذا رفضه الناس يمشى على الفور، وإذا جدد الناس الثقة فيه فليصمت ساعتها كل من يعارضه.. لكن محمد مرسى لم يصغ إلى ما جاء فى تقدير الموقف الأخير، ولا أنصت لكلام السيسى، بل قال له: انتظروا أربع سنوات قادمة ثم نتكلم بعد ذلك.

كان الفريق السيسى يتحرك خلال هذه الفترة وهو ممزق بين واجبه فى أن يحافظ على النظام الذى لا يزال يحمل الشرعية السياسية، وبين معرفته المؤكدة أن هذا النظام يتآكل من داخله، وأنه مقدم على مواجهة حتمية مع الشعب، ووقتها لن يجد الجيش أمامه طريقا إلا الانحياز إلى الجماهير، هل كان يتمنى السيسى أن يؤجل هذا المواجهة؟ أعتقد أنه كان يدعو الله ألا تحدث من الأساس، لكنه كان يعرف أنه قدره.. وللأقدار حكم لا يرده أحد.

قناعة السيسى هذه بدت واضحة فى لقاء حضره عدد كبير من المفكرين والإعلاميين والفنانين أثناء تفتيش حرب الفرقة 9 فى دهشور، يومها كان الفريق السيسى واضحا ومحددا، قال إن الجيش لن ينزل، لأنه لو نزل فسيعيد البلاد إلى الوراء ثلاثين أو أربعين سنة.

هل كان السيسى يومها مخادعا أكثر من اللازم، هل قال ما قاله حتى يجعل الإخوان المسلمين يأمنون جانبه، ولا يستجيبون لأى من النصائح التى توجه لهم، معتقدين أن المواجهة ستكون بينهم وبين الشعب فقط دون تدخل من الجيش، والشعب فى النهاية أمره هين ومقدور عليه؟

أم أنه كان صادقا تماما فيما يقوله؟

وقتها كنت ضيفا على أحد البرامج التليفزيونية، وكنت قد لاحظت حالة الإحباط الشديدة التى أورثتها كلمات الفريق السيسى فى نفوس من كانوا يتطلعون إلى الجيش باعتباره هو المنقذ والمخلص من عفن الإخوان، لكن ها هو قائد الجيش يقول للجميع، إن الجيش لن ينزل.. هو نفسه الجيش الذى ظل المصريون يهتفون لقائده ولشهور عديدة: انزل يا سيسى، فإذا بالسيسى يقول لهم «لن أنزل».

انحزت وقتها فى البرنامج التليفزيونى إلى أن الفريق السيسى حدد ببراعة شديدة أطراف المعركة، فالصراع الحقيقى بين جماعة الإخوان المسلمين التى قررت أن تميز نفسها عن الشعب المصرى، وبقية الشعب بكل أطيافه وطبقاته، فإذا أراد الشعب أن ينتصر فى معركته فلابد أن يخوضها أولا، أن ينزل إلى الشارع، أن يطالب برحيل محمد مرسى، وقتها يمكن أن يكون هناك مبرر للجيش أن ينزل، وأن يلبى نداء الملايين التى تطالب بعزل الرئيس الذى فقد شرعيته.

رفض السيسى أن يحارب بالوكالة.. فالجيش ليس فى صراع مع أى فصيل سياسى، فما بالك وهذا الفصيل فى السلطة التى وصل إليها بغفلة الشعب عبر الصناديق.. وعليه فلابد له من مبرر.. ولم يكن المبرر المطلوب إلا نزول الناس إلى الشوارع.

هل أقول إن الفريق السيسى حرض المصريين على النزول؟

لا أقول ذلك بل أعتقده تماما، كان يرى أن هذا هو الحل، فلم يتردد فى أن يفعله.

إننى أحترم ما قاله بعد ذلك فى حواره مع ياسر رزق وأصدقه تماما.

قال السيسى، إنه بعد كلامه عن عدم نزول الجيش إلى الشارع- وكان هذا تحديدا فى 11 مايو 2013- اتصل بالرئيس مرسى وقال له: الآن لديك فرصة لمبادرة حقيقية.. أنا دفعت الثمن من كلامى، وبادفع التمن ده لأنى خايف من بكره، أنا دلوقت عملت لك موجة لما تيجى تتكلم وتطرح مبادرة، مفيش حد يقول إنها جاءت تحت ضغط أى حاجة، سواء القوى السياسية أو المؤسسة العسكرية.

لكن كالعادة لم يفهم محمد مرسى الرسالة التى وضعها السيسى بين يديه بإخلاص شديد، قد يكون أراد الإصلاح، والتنازل بعض الشىء من أجل أن يحافظ على عرشه، إلا أن جماعته التى تسيطر عليه لدرجة جعلته مسلوب الإرادة تماما، دفعته بغرور شديد إلى تحدى الشعب كله معتقدا أنه يمكن أن ينتصر فى النهاية.

كان الفريق السيسى حائرا ومشتتا بين ما يريده من إصلاح الأوضاع، وما يرى أن أقداره تسوقه إليه.. كان يريد أن يخرج مرسى من أزمته، وهو يعرف أن الرجل عاجز تماما، لا يملك من أمره شيئا، ولا يستطيع أن يأخذ قرارا يخصه دون أن يعود إلى جماعته، والجماعة متصلبة ومتعنتة ومغرورة ولا تريد أن تتراجع عن المكاسب التى تعتقد أنها حققتها قيد أنملة.

عرف الفريق السيسى- من نظرات ضيوفه الزائغة- أنه أحبط من دعاهم لتفتيش الفرقة 9 من المفكرين والمثقفين والفنانين.. لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من طمأنتهم بكلمة واحدة هى «متستعجلوش».. وهى الكلمة التى أعتقد أنها كانت كلمة السر فى عملية إسقاط نظام محمد مرسى وإفنائه بشكل كامل.

«متستعجلوش».. كلمة أخذها كل طرف بالمعنى الذى يريده ويريحه ويحقق أهدافه، الإخوان فهموها على أن الأوضاع يمكن أن تهدأ بعد أن صرح قائد الجيش بأنه لن يتدخل.. وفهمها الشعب على أن الفريق يطمئنهم بأن الإخوان راحلون ولا داعى للعجلة.. وكان فهم الشعب هو الأصح والأقرب والأبقى.. وهو ما تحقق بالفعل.



التعليقات