مقالات > إبراهيم الشهابى يكتب: الشرق الأوسط 2014 بين رالف بيترز وجورج بوش الابن

8 يوليو 2014 11:44 م
-

إبراهيم الشهابى يكتب: الشرق الأوسط 2014 بين رالف بيترز وجورج بوش الابن

"حدود الدم هي تلك الحدود التي سترسمها الصراعات الدمويه لتغيير الخارطه الجيوسياسيه لمنطقة الشرق الأوسط ، ومن خلال ما أطلق عليه الشرق الاوسط الجديد يتوجب على أمريكا أن تشعل المزيد من الصراعات و الحروب من اجل إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بشكل مختلف عن سايكس بيكو، فحدود_الدم هى الحدود القائمه وهي نتاج لتنفيذ سايكس بيكو وبها من التناقضات الكثير,قوميه ,دينيه ومذهبيه ولا بد من إعادة ترسيمها من جديد على أساس الدين والعرق" كان ذلك جزء من الدراسة التي قدمها رالف بيترز نائب رئيس اركان الجيش الأمريكي للأستخبارات في مجلة الدفاع الأمريكية في يونيو 2006.

نحن اليوم في 2014، وأمريكا الأن في عهد باراك أوباما و في الولاية الثانية له، لكن استراتيجية أمريكاً ليست صناعة أوباما، وأنما هي حالة من الخطط والسيناريوهات التي تنتقل من مرحلة إلى أخرى، ويبدو واضحاً أن المنطقة على موعد مع السيناريو الذى بدأته واشنطن على خطى تقسيم العراق وتفجير الخليج أولاً.

رأينا أن عمليات التفكيك التي اتخذتها أمريكا في اعقاب حركة الشعوب العربية فيما هو معروف بالربيع العربى، وقد أخذ موجته الأولى من غرب المنطقة من المغرب العربى وصولاً إلى حالة من العنف المتنامي الذى تصدره مشهد التفكيك والتقسيم في ليبيا وبدأ التهديد الفعلى للمنطقة العربية في شمال أفريقيا، ومن ثم أنتقل الأمر على سوريا.

بدأ أوباما بأفريقيا، وهو الرجل الذى جاء إلى قمة القرار الأمريكي ليدير الأمور بشكل مختلف فهو الرجل الأسود الذي صعد إلي قمة السلطة في بلد أغلبيته من البيض، وكان ذلك ملهماً بشكل كاف للمخطط الاستراتيجي الأمريكي الذي وضع نصب عينيه أبواب أفريقيا المفتوحة لابن جلدتها، وهو نفسه في تناوله لسياسته الجديدة بدأ يخطط للمشروع الأمريكي الذي اعتمد علي الطائفية بدلا ً من الديمقراطية، والعرقية مقابل حقوق الإنسان، وتلك هي أدوات الأمريكية في تفكيك المشهد العالمي وإعادة تركيبه وفقاً لرؤية تحقق بديلاً واضحاً ومستقبلياً وفعال أكثر من العولمة، ويتضح لنا ذلك في تنامي الخطاب العرقي وصعود نبرة الأقليات من المنابر الأمريكية إلي العالم كله.

لكن الجديد أن ما حدث في 30 يونيو 2013 في مصر، قد أجبر أمريكا على العودة من جديد للخطة القديمة التي أعلنت عنها أمريكا في 2002 على لسان كونالديزا رايس مستشارة الأمن القومى وقتها، وهى أن العراق هدف تكتيكى و السعودية هدف استراتيجى ومصر هي الجائزة الكبرى، في إطار دراسة حدود الدم لرالف بيترز، يبدو أن مسار الاحداث في الأشهر الماضية يكشف لنا أن الخطة عادت من جديد بنفس الترتيب، فها هي العراق يتم تقسيمها ويتجه الأرهاب إلى العمق الحدودى للسعودية تمهيدا لأن تكون هي الهدف الاستراتيجي و هو مايؤكد أن الامريكان مازالوا يتخيلون أن مصر هي الجائزة الكبرى، إذ ان الفارق الحقيقى هنا هو أن أمريكا عادت لخطط الجمهوريين أو المحافظين الجدد في أمريكا والتي تقوم على استخدام الأرهاب فى تدمير الدول العربية بنفس الترتيب السابق، وهنا تظهر داعش كبديل عن القاعدة وخطورة ذلك هو أن التنظيمات المسلحة التي تمارس الإرهاب في كل بؤر التوتر في الشرق الأوسط ستتحول من الانتماء الفكرى للقاعدة إلى الانتماء الفكرى لداعش، وهو ما سيجعل انتشارها غير مقصور على العراق وسوريا وانما سيمتد إلى كل المناطق التي تشهد توترا وإرهابا.

الأمر الذى يؤكد أن أمريكا عادت من جديد لخطة رالف بيترز والمسماه خريطة حدود الدم هو ان السيناريو الذى وضعه نائب رئيس الجيش الامريكى يتضمن نزع سيناء من السيادة المصرية كبداية، وها نحن اليوم نرى أعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن وجود أبو حمزة المصرى في سيناء وكذلك الإعلان الاسرائيلى على لسان نتنياهو بأن داعش وصلت إلى قلب سيناء، ويظهر الأن التلويح كذباً بأن الجيش المصرى يحتاج إلى مساعدة دولية للقضاء على الأرهاب في مصر، ويبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى التعامل مع صحراء السيناء كما تتعامل في باكستان واليمن إذ توجه ضربات بطائرات بدون طيار بحجة محاربة الأرهاب، وهذا الأمر رفضته مصر في أكثر من مناسبة، وتبدو بوضوح النوايا الأمريكية حاضره بالنسبة لسيناء، خاصة بعد اعلان أمريكا عن مكافأة لمن يرشدها على مكان الارهابى أبو حمزة وهى بذلك تريد أن تتواجد معلوماتيا وتتواصل مع بدو سيناء بعيداً عن إرادة الدولة وبطرق غير مباشرة، وهى تتصور أنها ستكون قادرة على اختراق الحدود المصرية بطائرات بدون طيار لتنفيذ عملية قتل لأهدافها كما نرى كل يوم في اليمن وقبلها باكستان، ويبدو في ان مصر رفضت بحسم أي حلول وسط خلال المباحثات الأخيرة بين الرئيس السيسي ووزير الخارجية الأمريكي.

ولا شك أن دخول إسرائيل على الخط في محاولات الترويج بأن سيناء غير آمنه بهدف وضع قوات دولية على المناطق الفاصلة بين مصر وإسرائيل، خاصة وأن إسرائيل يقلقها انتشار قوات الجيش في عمق سيناء، خاصة بعد أن خرجت أشارات من مصر تؤكد أن انتشار الجيش المصرى في سيناء أمر واقع وعلي إسرائيل تعديل بنود اتفاقية كامب ديفيد، وذلك حتى لا تتحول سيناء إلى مرتع للأرهابيين.

إذا كانت السياسة لعبة المتغيرات فإن الاستراتيجية هي علم الثوابت، ولابد لنا أن نفرق بين الاثنين، فالاستراتيجية تتعامل مع المصالح الثابتة للدولة في حين ان السياسة تتغير بتغير التكتيكات، والسياسة هي علم إدارة الملفات، أما الاستراتيجية هي علم تحديد التوجهات والأهداف وتنفيذها، والسياسة هنا تلعب دورها في التنفيذ فقط، وامريكا اليوم تدير لعبتها الدولية من قلب الشرق الأوسط، وهى تعى أن خسارتها ستعتبر نهايتها كقوة عظمى تمتلك نفوذاً خاصاً في أكثر من إقليم في العالم، والحقائق تقول أن أمريكا التي تعانى من ارتباك لإنهيار استراتيجيتها الدولية، والتي فقدت جراءها نفوذها السياسي في شرق أوروبا ووسط اسيا وامريكا الجنوبية مهددة بشكل أو اخر بفقدان أخر منطقة تنفرد فيها بالنفوذ الدولى وهى منطقتنا العربية، ويبدو أن شركاء أمريكا في اللحظة الراهنة هم من خارج الإقليم العربى.


التعليقات