مدونات الاستقلال > الحوار الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن هل تم ؟؟؟ بقلم المستشار نائل الشيخ

17 أغسطس 2015 6:09 ص
-

الحوار الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن هل تم ؟؟؟ بقلم المستشار نائل الشيخ

بعد سنوات من التوقف عاد الحوار الاستراتيجي المصري للانعقاد مرة أخرى في القاهرة ولمدة يوم واحد وذلك حينما التقى جون كيري وزير الخارجية الأمريكي نظيره المصري في مباحثات استمرت يوما واحد أعقبها اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي غادر بعدها كيري والوفد المرافق له إلى الخليج العربي ورغم أن الحوار كان مقررا له يومين إلا أنه تم اختصاره إلى يوم واحد مكثف فيما يبدو أنه نظرا لضيق الوقت لدى الوفد الأمريكي في زيارته للمنطقة.

ومنذ أن انعقد للمرة الأولى في عام ١٩٨٨ ويكتسب الحوار الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن أهمية كبيرة في تبادل الأفكار والمقترحات والتفاهمات بين البلدين بما أكد دائما على الشراكة الاستراتيجية بين قوى دولية عظمى ونظيرتها الإقليمية كمدخل للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم أن الحوار قد شهد فترة توقف طويلة مماثلة في مطلع التسعينيات على إثر حرب الخليج الثانية إلا أن استئنافه هذه المرة اكتسب أهمية مختلفة لأنها المرة الأولى الذي ينعقد فيه الحوار دون تواجد الرئيس السابق مبارك على رأس الدولة المصرية بعد أحداث يناير ٢٠١١ كما أنها تأتي بعد فترة عصيبة مرت بالعلاقات بين البلدين بعد الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي وحل حزب الحرية والعدالة و تم اعتبارة إرهابيا بواسطة السلطات المصرية ما تسبب في ضرر بالغ في العلاقات بين البلدين بعد أن أوقفت الولايات المتحدة المساعدات العسكرية قبل أن تعلن عن استئنافها في أبريل ٢٠١٤.

تسعى السطور القليلة القادمة إلى الإجابة على تساؤلين رئيسيين: ماذا أرادت كل من القاهرة والولايات المتحدة تحقيقه من وراء هذا الحوار؟ وماذا حصدت كل منهما بالفعل بعد إتمام الحوار؟

إذا ما انتقلنا إلى الجانب المصري نجد أنه أراد تحقيق ثلاثة مكاسب من هذا الحوار الأول: هو التأكيد على كسب الولايات المتحدة إلى جانب النظام السياسي الحالي في مصر والتشديد على تمتع النظام بدعم تام من قبل القطب الأوحد والتأكيد على اعتبار مصر الشريك الأبرز للولايات المتحدة فى المنطقة أما الهدف الثاني فقد كان الحصول علي الدعم الأمريكي لاستراتيجية الرئيس السيسي في اعتبار مصر ركيزة النظام الدولي لمواجهة الإرهاب في المنطقة وللحصول على الدعم المالي والعسكري اللازم لدعم استقرار النظام المصري الجديد اقتصاديا وعسكريا في المنطقة فيما كانت آخر أهم أهداف النظام المصري الحصول على المزيد من الدعم الاقتصادي والأمني والفني لجهوده الساعية إلى التنمية الاقتصادية والخروج من الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تمر بالبلاد.

وإذا ما انتقلنا إلى الجانب الأمريكي فنجد أنه سعى أيضا إلى تحقيق ثلاثة آهداف رئيسية من وراء هذا الحوار كان الهدف الأول هو إعادة كسب الجانب المصري كشريك أساسي للولايات المتحدة في المنطقة باعتبار مصر ركيزة لمواجهة الإرهاب من ناحية وللإبقاء على السلام حتى لو ظل باردا مع إسرائيل للحفاظ على الاستقرار في المنطقة من ناحية أخرى كما سعت الولايات المتحدة للحصول على دعم القاهرة للاتفاق النووي الذي تم مؤخرا مع إيران في فيينا يوليو الماضي وخاصة أن الولايات المتحدة تعول كثيرا علي الدبلوماسية المصرية في إقناع دول الخليج بأهمية الاتفاق ودوره في الحفاظ على أمن المنطقة مع التأكيد أنه ليس على حساب الجانب العربي ولا سيما السعودي.

كما سعت الولايات المتحدة أخيرا إلى حث القاهرة على إدراج إصلاحات سياسية في نظامها من أجل تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان خاصة في ظل الضغط الذي مارسه بعض أعضاء الكونجرس من المنتمين للحزبين الديمقراطي والجمهوري فضلا عن لجنة العمل المختصة بالشأن المصري والتي تشكلت عام ٢٠١٠ من خبراء من الحزبيين الديمقراطي والجمهوري لدعم رسم استراتيجية أمريكية تجاه مصر حيث طلب الجانبان من كيري في رسالتين منفصلتين ممارسة ضغوط على النظام المصري من أجل إدخال إصلاحات جذرية على النظام السياسي وسياسات مصر تجاه المعارضين.

في الواقع وبحسب رأيي فإنه وبمجرد وصول كيري إلى القاهرة فقد حصل الجانب المصري على ما أراد وبتحليل نتائج الحوار الذي جرى في القاهرة يوم الأحد ٢ اغسطس نجد أن مصر قد تمكنت بالفعل من تحقيق كل ما سعت له من هذا الحوار ففي جلسة الحوار المطولة بين الجانبين المصري والأمريكي تم تناول أربع قضايا رئيسية:

أولا : الجانب الاقتصادي: حيث تعهد الجانب الأمريكى باستمرار زيادة الاستثمارات الأمريكية فى مصر والبالغة حاليا ٢ مليار دولار فى السنوات القليلة القادمة مع مطالبته للجانب المصرى بحماية حقوق الملكية الفكرية والعلامات التجارية وبراءات الاختراع من أجل حماية حقوق المستثمرين مع زيادة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وخاصة المنتجات التى يتم تصنيعها فى المناطق الحرة لتصل إلي ٨٠٠ مليون دولار مع التعهد بدعم استراتيجيات مصر فى مجال الطاقة وتكنولوجيا الاتصالات.

ثانيا : الجانب الأمني والعسكري : حيث تعهد الجانب الأمريكى باستمرار تقديم الدعم العسكرى والأمنى بالعمل على استمرار المعونة العسكرية والبالغة واحد ونصف مليار دولار سنويا مع استئناف مناورات النجم الساطع التى كانت قد توقفت كما تعهد كيرى باستمرار تدريب القوات المصرية علي ضبط الحدود لمواجهة الجماعات الإرهابية على الحدود الغربية مع ليبيا وأكد الجانب الأمريكى على دعمه التام لمصر كقاعدة لمواجهة الجماعات المتطرفة وهو ماسعت إليه القاهرة تماما وكان موقع السفارة الأمريكية بالقاهرة على ( تويتر ) قد أعلن عن وصول الطائرات ال اف ١٦ إلى مصر مع صورة للطائرات تستعرض فى سماء القاهرة وحرصت السفارة على مغازلة المصريين بعبارة ( تحيا مصر ) مع تعهد الجانب الأمريكى بمزيد من الطائرات المقاتلة فى الخريف القادم.

ثالثا : الجانب السياسي : على الرغم من بعض المراوغات من الجانبين وخاصة في ظل تشديد كيري على ضرورة التخفيف من الإجراءات ضد الشباب والصحفيين والمعارضين لتجنب صناعة بيئة ضاغطة تدفع المزيد من الشباب لفخاخ الإرهاب وهو ما قابله وزير الخارجية المصري سامح شكري بالتأكيد على سيادة القانون المصري وأن هؤلاء جميعا مشتركون بأعمال إرهابية وهم تحت طائلة القانون والعدالة فإن المراوغة انتهت سريعا باعادة تأكيد كيري على دعم مصر في إجراءات مواجهة الإرهاب مع إشادته بالإرادة السياسية لإجراء الانتخابات البرلمانية نهاية هذا العام .

رابعا : الوضع الإقليمي : حيث تناول الطرفان أخيرا الوضع في الإقليم مع تأكيد الجانب الأمريكي على أهمية الاتفاق النووي مع إيران لصالح أمن المنطقة فضلا عن تأكيد الجانبين على أهمية حل الصراع العربي الإسرائيلي وهو ما تأكد مجددا في لقاء كيري مع الرئيس السيسي عقب الحوار وهو ما صب أيضا في اتجاه تأكيد الدور المصري في حل القضية الفلسطينية في ظل علاقاتها المتميزة مع الجانب الفلسطيني من ناحية ومعاهدة السلام مع إسرائيل من ناحية أخرى.

وهكذا تمكنت مصر من الحصول على ما أرادت من الحوار الاستراتيجي مع الجانب الأمريكي وتمكنت أيضا من تجاوز الانتقادات المبطنة التي وجهتها الإدارة الأمريكية للجانب المصري في مقابل تمكنها من الحصول على الدعم الأمني والعسكري والاقتصادي الذي سعت إليه فضلا عن اعتراف جديد من الشريك الأمريكي بنظامها السياسي وشرعية إجراءاته ودوره الإقليمي ليكون الأداء الاقتصادي والسياسي الداخلي للنظام المصري هو العامل الأبرز خلال السنوات القليلة القادمة لتحديد مدى قدرة النظام السياسي الحالي على ترسيخ أقدامه من عدمه.

المستشار نائل الشيخ


التعليقات